الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
لا ضير إن حصر رسول الله صلى الله عليه و سلم المقصد من بعثته في الأخلاق حيث قال:” إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ ” رواه البيهقي في السنن الكبرى مرفوعا عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي رواية قال “إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ” رواه أحمد في المسند [8729]، وابن سعد في الطبقات (468)، والبخاري في الأدب (273)، والحاكم في مستدركه (4187)، وقال:صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، والبيهقي في الكبرى(19143)، وفي الشعب(7491)، والطحاوي في المشكل(4432)، والحرفي في أماليه (6)، وابن عبد البر في التمهيد (4709)،(4710)، وفي الاستذكار (1016)، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (41)، وابن شهاب في المسند (1165)  وابن عساكر في التاريخ(17793)، والبوصيري في الإتحاف(7031). كلهم من طرق عن سعيد بن منصور به إلاأنه في بعض الروايات قال “مكارم الأخلاق” بدل “صالح الأخلاق” وقع هذا عند البيهقي في الكبرى والشهاب في مسنده وتمام في فوائده.
و{إنما} أداة حصر، حصر بها النبي صلى الله عليه وسلم هدف البعثة في إتمام الأخلاق.
إن الأديم يشهد أن للناس في الجاهلية أخلاقا لكن تممها رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعثته ، فالله تعالى أراد إتمام الأخلاق ببعثته صلى الله عليه و سلم.
إن وطن محمد صلى الله عليه و سلم  الوحيد هو الخلق، كان حاميه، كان الدرع الذي تبطل عنده التهم، و تعود به الوشايات من حيث أتت،إن أولى ما نظر فيه الناس لقبول دعوته أوردها هو الخلق، كانت البعثات من قبله صلى الله عليه وسلم كلها تخبر عن أدبه وخلقه صلى الله عليه و سلم.
كانت قريش والعرب كلها تكبرفيه أخلاقه، تحتضنه بسببها.
لقد علمتني الحياة أن الغريب غريب الأخلاق، لأنه المنبوذ عرفا، والعرف يبنيه ذوو النهى .
كان لي صديق وحبيب طبيب سوري يقول لي:{المال في الغربة وطن}، لكن الأيام علمتني أن الأخلاق هي الوطن وليس المال.
بسبب الأخلاق يحضنك الناس، يثقون في سمتك، يكرمونك، يرفعون شأنك بها، يؤوونك في ديارهم ومحلاتهم لأنك ذو خلق، ما من مناسبة إلا وتبركوا بك لأنك أهل لذاك، تؤول سيادة البلد لك، ولو كنت غريب الدار، أنت موثوق في صدقك فيأتمنونك على ودائعهم، مثلما كان مع نبيك صلى الله عليه وسلم.
لقد علمتني الحياة أن الأخلاق تكسبك معارف في مجتمعات كثيرة، وتطيب علاقاتك مع الناس، ما تلبث أن تشعر بأنك بين قومك أوكما يقال في لغة المجاملات السياسية {في وطنك الثاني}،تعرفك على بائع الناس وعاداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم في العيش، لأنك اندمجت بها بين ظهرانيهم، بها تكسب ودهم، واحترامهم مع إكباروإجلال.
وما أجّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بها، قال تعالى:{وَإنكَ لعَلى خُلقٍ عَظيم} القلم آية 4، ولذلك وإن تعلمنا من تجارب الحياة فالقدوة رسول الله الله صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه ربنا سبحانه:{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} الأحزاب: 21 وقال عنه:{فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} آل عمران: 159.
لقد علمتني الحياة أن كثيرا من السلوكات التي ربما يخالها البعض هينة ليست ذات بال في الواقع تذهب من قلوب الناس التوجس منك ، فينبسط  إليك الجميع  لقد علمتني الحياة أن الأخلاق تهيء قلوبهم لك، تريح معنوياتهم معك، ولذلك ركز الإسلام على كثير من السلوكات ولو كانت بسيطة لكنها عظيمة الأثر، الإبتسامة، التحية بالسلام ، المغادرة بالسلام، التقديم الطيب للكلام، الاعتذار عند الشعور بالخطأ، الأمانة، الصدق في الحديث، الشجاعة في الموقف، إكرام الكرام، احترام ذي الشيبة المسلم، تقدير الأعلم، استشارة الأكبر، التعلم من الأحكم، التواضع للأصغر، الإقبال على القادم، المبادرة بالعون، تفقد الصاحب، نصح المخطىء، إيقاظ الغافل، دعوة العاصي، الإشفاق على المذنب، الاهتمام، الحلم، التهادي، الأناقة، فن التحدث، الإنصات، وغيرها من الأخلاق الإسلامية التي تجعلك فوق الجميع تواضعا لا تطاولا، لأن من تواضع لله رفعه كما جاء في الحديث المرفوع.
أعرف كثيرا من الغرباء آوتهم أخلاقهم بين الناس، حتى أسدوا إليهم كل معروف وأكرموهم وأصبح في أكلهم وشربهم لهم معهم نصيب،  أسروا إليهم بما لم يسروا إلى ذويهم من أولي القربى.
إن قوة الخلق قعدت للحكمة القائلة: { اللسان الحلو يرضع من اللبؤة }.
فلا يغررك الشيطان أن التخلق ضعف، بل هو قوة و حماية لك من كل مكروه.

لذلك قلت في العنوان {الأخلاق في الناس وطن}، لأن انعدامها غربة، وحتى الفرد منا موطنه في الغربة أخلاقه، فهي كذلك {في الغربة وطن}.