الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
علمتني الحياة أن العفو عــــــزّ
تصوروا معي لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قابل كل بقايا الشرك يوم فتح مكة بالانتقام ، كيف تنطبع الصورة تجاهه من قبلهم ؟ ولكنه اختار التفضل عليهم فعز في نفوسهم و كبر في قلوبهم و شمخ في أعينهم فأسلم جلهم.
قرأوا العفو في عينيه الشريفتين فقالوا له:أخ كريم وابن أخ كريم ولو أنه لم يعف عنهم ـــــ ومن حقه الشرعي والنبوي والرباني ــــ لقالوا : عدو لئيم وابن عدولئيم .
عفا عن أبي سفيان رضي الله عنه رغم أنه كان زعيم الكفر المحارب للإيمان وزاد عليه قائلا:” ….. ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن …..” فقوي إيمانه وحسن إسلامه. إن ما تعلمناه في هذه  الحياة أن العفو يزيد صاحبه عزًّا و الحقد يزيده ذلاًّ ، ولذلك يشعر طالب العفو بالذلة عند العافي ، فإما ذلة عظيمة كالتي بين المؤمن وربه فقط، وإما ذلة حقيرة كالتي بين العبد والعبد، ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ” ما ازداد العبد عفوا إلا زاده الله عزًّا “.
لا ينبغي للمظلوم الشعور بالنقص إذا عفا، لأن الحقيقة أن المعفو عنه شاعر بفضله، عارف لعلوه، مقر لدرجته، معترف بعظمته.
الذي يعفو سيد الموقف رابح التجارة مع الله ومع النفس.
وحق لنا القول :” إن العفو تحضر و الحقد تخلف”، إن العفو ينم عن علو همة ترفع صاحبها من دركات التنافس على الدنيا إلى درجات التسامي إلى العلا ، لنتذكر كيف كان شعور ذلك الرجل ـــ وكان كافرا ـــ الذي سل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدده بالقتل ثم عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سقوط السيف من يده إثر إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الله ” لقد أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الناس إليه بعد إسلامه تلك اللحظة.
إن العفو يحببك إلى من عفوت عنه، إن العفو معبرعن القدرة على الانتقام إما بالله وإما باليد، لكن العافي احتسب كل ذلك عند الله وهو ما نسميه :”العفو عند القدرة”
ولذلك كثرت آيات العفو في القرآن الكريم منها:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التغابن: 14].
(وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) [البقرة: 219]
(إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) [النساء: 149]
(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: 199].
(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: 22].
سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) (آل عمران)
وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع إليه أمر في قصاص إلا و يأمر بالعفو ويقول : “والعفو أفضل”.
                                                             إذن العفو عـــــــــزّ